زكريا القزويني
118
عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات
الذي يوجد في الزنج لا يوجد في البصرة ، وحاله كحال الخطاطيف وغيرها من الطيور ، ينتقل من موضع إلى موضع ، فسبحان من ألهم كل حيوان ما فيه مصالح نفسه . ( ومنها ) الكوسج ، وهو نوع من السمك شر من الأسد ، في الماء يقطع الحيوانات بأسنانه كما يقطع السيف الماضي ، ورأيته وهو سمك مقدار ذراع أو ذراعين وأسنانه كأسنان الإنسان ينفر الحيوان منه ، وإذا أدرك سمكة كبيرة قطعها ، وإذا أدرك آدميا قتله أو قطع يده أو رجله ، فإن ذئبة عظيمة في هذا البحر ، وله وقت معين يكثر فيه بدجلة البصرة . ( ومنها ) حيوان يعرف بالتنين شر من الكوسج ، في فمه أنياب مثل أسنة الرماح ، وهو طويل مثل النخلة وهو أحمر العينين مثل الدم ، كريه المنظر جدّا ، يفر منه الكوسج وغيره . ( ومنها ) سمكة خضراء اللون ، أطول من ذراع خرطوم عظيم أقصر من ذراع يشبه منشارا ، يكون كلا حديه أسنانا يضرب بها الحيوان فيجرحه ، ومن هذا النوع في بحر الحبابة كثير ، رأيتهم يصطادونه مقليّا في السوق هناك . ( ومنه ) سمكة مدورة ذنبه أطول من ثلاثة أذرع ، وعلى وسط ذنبها شوكة معقفة شبه كلاب ، وهي سلاحها تضرب بها وهي نمراء بياضها في غاية البياض ونقطة سوادها في غاية السواد ، ولها منخران على ظهرها وفم على بطنها ، وفرج كفرج النساء ، والبحر لا تحصى عجائبه . وفي هذا القدر كفاية ، واللّه الموفق . ( ولنختم ) عجائب هذا البحر بحكاية عجيبة من دردوره ، أوردها صاحب كتاب ( عجائب البحر ) في كتابه ، قال : حدثني رجل من أصفهان أنه ركبته ديون ونفقة عيال عجز عنها ففارق أصفهان ، ودارت به الدوائر حتى ركب البحر مع بعض التجار . قال : فتلاطمت بنا الأمواج حتى جعلناه في دردور بحر فارس المشهور ، فاجتمع التجار إلى المعلم « 1 » وقالوا : هل تعرف لأمرنا مخلّصا ؟ فقال المعلم : يا قوم إن هذا دردور لا يتخلص منه مركب إلا ما شاء اللّه تعالى ، فإذا سمح أحدكم بنفسه لأصحابه وأنا أبذل جهدي لعل اللّه يخلصنا .
--> ( 1 ) المعلم : قائد السفينة والمتحكم في سيرها ، ويسمى هذه الأيام ( بالقبطان ) .